مصطفى لبيب عبد الغني
250
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
وتغلى في الحال التي تصير إليها بعد النشيش والغليان وقلما يتفق أن مزاج طفل أو صبي يمكن أن ينقلب فيه الدم من الحالة الأولى إلى الحالة الثانية قليلا قليلا وشيئا بعد شئ وفي زمان طويل حتى لا يظهر هذا الغليان والنشيش في الدم لأن هذا المزاج ينبغي أن يكون باردا يابسا ومزاج الصبيان بالضد من ذلك وتدبيرهم أيضا كذلك لأن غذاء الأطفال من اللبن وأما الشبان فإنه وإن لم يكن غذاوءهم من اللبن فإنه أقرب إلى غذائهم من سائر الإنسان وتخليطهم أيضا أكثر وكذلك حركاتهم أيضا بعد الغذاء فمن أجل ذلك قلّ ما يفلت صبي من ذلك المرض . وتختلف بعد ذلك أحوالهم فيه على حسب أمزجتهم وتدابيرهم وسجاياهم والهواء المحيط بهم وحال الدم الذي في عروقهم في كميته وكيفيته فيسرع إلى بعض ويبطى عن بعض ويكثر في البعض ويقلّ في البعض ويكون ردئ الكيفية جدا في البعض وأقل رداءة في البعض . وأما الشبان فلأن دماءهم قد انقلبت إلى الحالة الثانية واستحكم نضجها وانقش عنها فضول الرطوبات التي توجب العفن فلا يحدث هذا المرض إلا بالواحد بعض الواحد منهم وإنما يحدث في من كان الدم الذي في عروقه كثير الرطوبة أو ردئ الكيفية ملتهبا جدا أو كان قد جدر في صباه جدريا خفيفا لم يتم به نقل الدم إلي الحالة الثانية ويقع ذلك لمن كان بليد الحرارة أو غير غزير الرطوبة ولمن جدر في صباه جدريا ضعيفا وكان يابسا نحيف البدن بليد الحرارة ساكنها فلما بلغ سن الشباب يدبر تدبيرا محصنا لبدنه أو تدبيرا مفسدا لدمه . وأما المشايخ فلا يكاد يحدث بهم هذا الداء إلا في حالات الهواء الوبائية العفنة الردية التي يكثر فيها هذا الداء جدا فإن الهواء العفن المجاوز الاعتدال إلى الحرارة أو إلي الرطوبة جدا والهواء الملتهب يعين على ثوار هذه العلة بنقله الروح الذي في بطني القلب إلى مثل مزاجه ثم نقل جميع الدم الذي في الشرايين بتوسط القلب إلى مثل تلك الحالة . فقد قلنا في سبب الجدري قولا كافيا موجزا ونحن الآن قائلون في الأبدان المستعدة للجدرى والحصبة .